الشيخ محمد صنقور علي البحراني
14
شرح الأصول من الحلقة الثانية
ومنشأ ذلك الإدراك هو العلم باتحاد الموضوعين في علّة الحكم ، فلو ثبت عن الشارع حرمة أكل التراب وذلك لكونه مضرّا فإنّ العقل بذلك يدرك حرمة أكل السم . ومنشأ إدراك العقل لحرمة أكل السم هو العلم باتّحاد التراب والسم في علّة الحكم ، فما أدركه العقل من حرمة أكل السم يصلح للكشف عن حكم شرعي وهو حرمة أكل السم شرعا ، وهذا المقدار هو الذي تكشف عنه هذه القضية العقلية ، أي أنّها لا تصلح للكشف عن أكثر من موردها . وهنا أمر لا بدّ من التنبيه عليه ، وهو أنّ هذه القضية العقليّة نشأت عن قضية عقلية أخرى ، وهي قياس المساواة وليست هي المقصودة في المثال ، إذ أنّ قياس المساواة من القضايا العقلية التي يمكن الاستفادة منها في استنباط كثير من الأحكام الشرعية ، فهي إذن من العناصر المشتركة . والمراد من قياس المساواة هي إدراك العقل بترتّب الحكم الثابت شرعا لموضوع على كل الموضوعات المشتملة على علّة ذلك الحكم ، فلو ثبت عن الشارع حرمة شرب الخمر وثبت بأي وسيلة من وسائل الإثبات أنّ علة ثبوت الحرمة للخمر هي الإسكار ، فإنّ العقل يدرك عندئذ أنّ كلّ موضوع اشتمل على نفس العلة فهو حرام . وتلاحظون أنّ هذه القضية العقلية تصلح لأن يستنبط منها كثير من الأحكام الشرعيّة في مختلف الأبواب الفقهيّة . وتلاحظون أيضا أنّ منشأ القضية العقلية القاضية بحرمة السم هي من صغريات قياس المساواة ، فحرمة أكل السم قضية عقلية إلا أنها عنصر مختص ، وقياس المساواة قضية عقلية إلا أنّها عنصر مشترك .